21 شجرة الإيمان

Publié le par Abou Abdillah

خطبة الجمعة ليوم 11/06/1427

بعنوان: شجرة الإيمان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد معاشر المؤمنين عباد الله اتقوا الله حق تقواه وراقبوه مراقبة من يعلم أن ربه يسمعه ويراه .

عباد الله كم هو جميل بعبد الله المؤمن أن يستفيد من هذه الحياة الدنيا من تجدد أوقاتها وتنوع منافعها أن يستفيد من ذلك رفعة في الإيمان وقوة في الطاعة وحسن إقبال على الله جلا وعلا وتزود بزاد التقوى التي هي خير زاد يبلغ إلى رضوان الله .

عباد الله وحيث إننا في هذه الأيام نعيش موسما كريما ألا وهو قطف ثمار النخيل وجني الرطب وهو موسم كريم له شأنه منذ القدم جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال " كان الناس إذا رأوا أول الرطب أو أول ثمر النخيل جاؤا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فإذا أخذه قال " اللهم بارك في ثمرنا, اللهم بارك في مدينتنا ,اللهم بارك لنا في مُدنا , اللهم بارك لنا في صاعنا ,اللهم إن إبراهيم عبدك ونبيك وخليلك وإني عبدك ونبيك وإن إبراهيم دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه , ثم أخذ الثمر وأعطاه لأصغر وليد له ".

عباد الله إن لهذا الموسم شأنا في تجدد هذه النعمة وحصول هذه المنة التي يتلقاها أهل الإيمان بحمد المنعم وشكره  جلا وعلا على أفضاله المتوالية ونعمه المتتالية .

عباد الله وكيف يتم للمسلم أن يستفيد من مثل هذا الموسم زيادة في الإيمان وإصلاحا لحاله مع الله جلا وعلا , روى الترمذي في سننه عن شعيب بن الحبحاب رحمه الله قال " أُتي أنس بن مالك رضي الله عنه بطبق فيه رطب فقال أنس رضي الله عنه " يا أبا العالية كل من هذا التمر من الشجرة التي جعلها الله مثلا للمؤمن ثم تلا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون إبراهيم: ٢٤ - ٢٥ .

وقد جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بهذه الشجرة النخلة كما في حديث ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال " أخبروني عن شجرة لا يتحات ورقها وذكر شيئا من صفاتها قال جعلها الله مثلا للمسلم قال فخاض الناس في شجر البوادي فلما لم يقول شيئا قال عليه الصلاة والسلام هي النخلة " وجاء في حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلن قال " إن من الشجر لشجر بركته كبركة المؤمن " وجاء عنه عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى ألفاظ عديدة .

وهاهنا ـ عبادَ الله ـ نقف وقفة إيمانية في التأمل في هذا المثل البديع الذي ضربه الله تبارك وتعالى للإيمان وللمؤمنين تبيانا لهذا الأمر وتجلية له بأمر مشاهد محسوس ومرئيا ملموس فكلنا نرى النخيل ونرى تنوعها وتنوع ثمارها وعموم منافعها وكثرة فوائدها فهذه الشجرة المباركةُ ـ عباد الله ـ جعلها ربنا عز وجل مثلا للمؤمن  بحيث يستفيد المؤمن من هذا المثل معرفة لأصوله الراسخة وفروعه الباسقة وثماره اليانعة وفوائده العميمة في الدنيا والآخرة وفي الآية ذكرَ الله تبارك وتعالى أربعة أوجه للشبه بين المؤمن و النخلة .

أما الأول: عباد الله فهو وصفُ الشّجرة بأنها طيبة وهكذا الشأن في المؤمن فإنه طيّب في أقواله وفي أعماله وفي حركاته وسكناته ولهذا يقال له يوم القيامة عند دخوله الجنة ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين الزمر: ٧٣ .

ثم الأمر الثاني أنّ الشجرة لها أصل ثابت وكذا الإيمان له أصل ثابت وأساس راسخ في قلب المؤمن.

والأمر الثالث أن الشجرة لها فروع باسقة وكذا الإيمان له فروع عظيمة وهي الأعمال الزاكية والطّاعات العظيمة والقربات المتنوعة التي يتقرب بها المؤمنُ إلى الله . 

وأما الأمر الرابع عباد الله فهو وصف الله جلا وعلا لهذا الشجرة بأنها تؤتي أكلها كل حين وهكذا الشأن في المؤمن ثمار إيمانه لا حدّ لها ولا عد لها في الدنيا والآخرة .

عباد الله وتأمل هنا وصف الله جلا وعلا للمؤمن وللإيمان بالنخلة فإن الحكمة في ذلك ظاهرة فإن النخلة لا بد فيها من ثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم وفرع مثمر وهكذا الشأن في المؤمن وهكذا الشأن في الإيمان لا بد فيه من ثلاثة أشياء اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح بطاعة الله جلا وعلا .

عباد الله إن شجرة الإيمان شجرةُ عظيمة النفع كبيرة الفائدة عظيمة الأثر لها مكان تُغرس فيه ولها سقي خاص بها ولها أصل وفرع و ثَمَر .

أما مكانها عباد الله الذي توضع فيه فسائلها وتوضع فيه بذورها ومنه تنشأ فروعها فهو قلب المؤمن قال الله تبارك وتعالى: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه الزمر: ٢٢ فمكان هذه الشجرة مكانها عباد الله هو قلب المؤمن يقول الله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام الأنعام: ١٢٥فمكانها الذي فيه تغرس هو قلب المؤمن , أما سقيها عباد الله فهو وحي الله جلا وعلا كلامه سبحانه وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام فبهما تحي هذه الشجرة وتنمو نموا مطردا يقول الله تعالى: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات الأنعام: ١٢٢ والنور هنا وحي الله تبارك وتعالى الذي به تحي به هذه الشجرة ويقول جلا وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم الأنفال: ٢٤.

أما أصلها ـ عبادَ الله ـ فهي أصول الإيمان الستة التي لا قيام للإيمان ولا صلاح للدين ولاستقامة للإسلام إلا بها وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره قال الله تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين البقرة: ١٧٧ وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا النساء: ١٣٦ ويقول جلا وعلا: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله المائدة: ٥، ويقول جلا وعلا: ﴿كلّلإ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير البقرة: ٢٨٥.

وأما فروعها عباد الله فإنها الطاعات الزاكية و القربات المتنوعة فالصلاة من الإيمان والزكاة من الإيمان والحج من الإيمان وكل طاعة يتقرب بها المؤمن إلى الله فهي من الإيمان وكذلك بعد العبد عن الحرام كله ذلك من الإيمان بعده عن الزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات كل ذلك من فروع شجرة الإيمان يقول عليه  الصلاة والسلام "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن و لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن و لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن و لا ينتهب نَهْبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" .

وأما ثمارها عباد الله فهو كل خير في الدنيا والآخرة وكل نعمة فإن ذلك كلَّه من ثمار الإيمان ثمار الإيمان في الدنيا حياة طيبة وحياة سعيدة ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينَّه حياةً طيِّبةً ولنجزينَّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون النحل: ٩٧.

أما ما أعدّه الله تبارك وتعالى في الآخرة لأهل الإيمان من الثمار المباركة والنتائج الطيبة والنعم التي لا تعد و لا تحصى فأمر لا حصر له ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون السجدة: ١٧، والآيات عباد الله في القرآن كثيرة المبيّنة لثمار الإيمان وعظيم عوائده على أهله في الدنيا والآخرة وإنا لنسأل الله جلا وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يزيننا بزينة الإيمان , اللهم زينا بزينة الإيمان ,  اللهم زينا بزينة الإيمان, اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين أقول هذا القول و أستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم .

الحمد لله عظيم الإحسان واسع الفضل والجود والامتنان وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد عباد الله اتقوا الله تعالى ثم اعلموا رعاكم الله أن الحياة شجرة السنة فروعها والأيام أغصانها فمن كانت أنفاسه في حياته ذكر وطاعة فثمرة شجرته خير وبركة في دنياه وأخراه .

وأما من كانت أنفاسه في هذه الشجرة أنفاسا ليست بطيبة فإنه يجني من هذه الشجرة ثمرة هي ثمرة الحنظل عياذا بالله .

عباد الله ألا فلنتقي الله ربنا ولنحافظ على طاعته في حياتنا وأيامنا وأوقاتنا ولتكن الحياةُ لنا سلما لطاعة الله ومرتقى لما يقرّب إلى الله وبعدا عن كل ما يسخطه جلا  وعلا هدانا الله وإياكم أجمعين لأقرب من هذا رشدا ووفقنا لاتباع رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه .

واعلموا رعاكم الله أن الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

وصلّوا وسلّموا رعاكم الله على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما الأحزاب: ٥٦ اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان علي وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين, اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين , وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين , اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان , اللهم كن لهم حافظ وناصرا ومؤيدا ومعينا يا ذا الجلال والإكرام , اللهم فعليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك . اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم , اللهم أمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك  واتبع رضاك يا رب العالمين , اللهم وفق ولي أمرنا لهداك واجعل عملك في رضاك وارزقه البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين , اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك وتحكيم شرعك واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم , اللهم آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليُّها ومولها, اللهم إنا نسألك الهدى والتقوى والعفة والغنى, اللهم بارك لنا في ثمرنا ,اللهم بارك لنا في مدينتا , اللهم بارك لنا في دمنا , اللهم بارك لنا في صاعنا , اللهم وبارك لنا في حياتنا وأعمارنا وأوقاتنا وذريتنا واجعلنا مباركين أينما كنا , اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم وأن تجعل كل قضاء قضيته لنا خيرا يا رب العالمين , اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات, ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين , ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

عباد الله اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزيدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

 

 

Publié dans خطب العقيدة

Commenter cet article