41اسم الله الرزاق

Publié le par Abou Abdillah

خطبة جمعة بتاريخ: 15/02/1429هـ

بعنوان: اسم الله الرزاق

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، ومبلغ الناس شرعه، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

عباد الله، اتقوا الله تعالى، فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.

ثم اعلموا ـ رعاكم الله ـ أن أعظم أبواب المعرفة والعلم والإيمان معرفة الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وقال جل وعلا: ﴿هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، وقال جل وعلا: ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.

عباد الله؛ وإن مما تمس الحاجة إليه في هذه الأزمان معرفة الله تبارك وتعالى بأنه الرزاق، مع أن الحاجة ماسة في كل زمان وأوان لمعرفة أسماء الله الحسنى جميعها، وتدبرها كلها في ضوء كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عباد الله؛ إن من أسماء الله الحسنى العظيمة الرزاق، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوَّة المتين، وقال جل وعلا: ﴿وارزقنا وأنت خير الرازقين، وقال جل وعلا: ﴿وإن الله لهو خير الرازقين، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

عباد الله؛ والرزاق هو الذي بيده أرزاق العباد وأقواتهم، وهو جل وعلا الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، الذي بيده أزمة الأمور ومقاليد السموات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، وقال جل وعلا: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم، وقال جل وعلا: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا، وقال جل وعلا: ﴿والله يزرق من يشاء بغير حساب.

فالأرزاق عباد الله كلها بيد الله، أقوات العباد: طعامهم، شرابهم، غذاؤهم، جميع أمورهم، كلُّ ذلك بيد الله جل وعلا، فهو المعطي المانع، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، الذي بيده أزمة الأمور، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.

عباد الله؛ ولقد جاء في القرآن الكريم حديث واسع وبيان وافر لهذا الأمر العظيم، ألا وهو أن الرزق بيد الله تبارك وتعالى، وأنه جل وعلا هو الرزاق ذو القوة المتين، وقد جاء حديث القرآن في بيان هذا الأمر العظيم في مقامين.

المقام الأول: مقام التفضل والإنعام، والعطاء والإكرام، وهذا جاء منه آيات كثيرة في كتاب الله تبارك وتعالى، منها قول الله جل وعلا: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا.

والمقام الثاني عباد الله: مقام الدعوة إلى عبادة الله وطاعته سبحانه وتحقيق التوحيد له، والقيام بطاعته جلَّ وعلا كما أمر، وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة في كتاب الله، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون، أي: لا تجعلوا لله شركاء في العبادة وأنتم تعلمون أنه لا خالق لكم ولا رازق لكم غير الله تبارك وتعالى.

وقال جل وعلا في مقام إبطال الشرك وبيان سفه أهله وغيهم وضلالهم، قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم، وقال جل وعلا: ﴿الله الذي خلقكم ثم يتوفاكم ... إلى أن قال جل وعلا: ﴿هل من خالق غير الله يرزقكم.

عباد الله؛ إن الرزق بيد الله جل وعلا، فالعطاء عطاؤه، والمنُّ مَنُّه، والجود جوده، والكرم كرمه، وكل بيده جل وعلا، ورزقه جل وعلا لعباده على نوعين:

رزق عام، يشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، كما تقدم معنا في قوله تبارك وتعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وهذا عطاء عام لا يختص به أحد دون أحد، قال الله جل وعلا: ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء أي: المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا.

هذا عطاء عام، وهو عطاء للطعام والشراب والغذاء والملبس والمسكن ونحو ذلك.

وهذا النوع من العطاء عباد الله لا يدل على رضى الله تبارك وتعالى عمن أعطاه فإنه جل وعلا يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأما الآخرة فإنه جل وعلا لا يعطيها إلا من أحب، وتأمل في هذا المعنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن، قال جل وعلا: ﴿كلا، أي: ليس الأمر كذلك، أي: ليس الأمر أنَّ الإنسان إذا أعطي وأكرم في الدنيا دليل على إكرام الله له ورضاه عنه، وليس أيضا التضييق على الإنسان في طعامه ورزقه دليل على عدم رضا الله عنه وإهانته له ﴿كلا، أي: ليس الأمر كذلك، فإنه جل وعلا  يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، والعطاء في الدنيا من الإنعام والملبس والمسكن ليس دليلا على الرضا، وكذلك التضييق في ذلك ليس دليلا على مهانة الله لعبده.

والعطاء في الدنيا والمنع عباد الله كل ذلكم ابتلاء من الله تبارك وتعالى لعباده، فهو جل وعلا يبتلي عباد بالغنى كما يبتليهم بالفقر، ويبتليهم بالصحة كما يبتليهم بالمرض، ويبتليهم بالرخاء كما يبتليهم بالشدة، فالدنيا دار امتحان وابتلاء واختبار.

عباد الله، والواجب على عبد الله المؤمن الذي عرف أن الأرزاق بيد الله تبارك وتعالى أن لا يلجأ في شيء إلا إلى الله تبارك وتعالى، سواء منها الرزق العام أو الرزق الخاص الذي خصَّ به عباده المؤمنين، وهو رزق الإيمان والهداية إلى الطاعة والتثبيت على التوحيد والحفظ الوقاية والتسديد، وغير ذلك من الأرزاق التي خص بها عباده المؤمنين وأولياءه المتقين.

فعبد الله المؤمن يلجأ إلى الله في كل أموره، وفي جميع أرزاقه، وجميع شؤونه، يلجأ إلى الله تبارك وتعالى وحده ولا يلجأ لأحد سواه، وإن من أعظم ما يطلب به رزق الله ومنه سبحانه تقوى الله والإيمان، فهذا أساس كل خير وأساس كل فضيلة، قال الله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، وقال جل وعلا: ﴿فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

عباد الله، وخلاصة القول أن الواجب علينا في هذا الباب، في باب طلب الرزق والوقاية من عسره أن نلجأ إلى الله جل وعلا صادقين، كما تقدَّم معنا في قوله: ﴿وارزقنا وأنت خير الرازقين، وأن نتجنَّب عباد الله الذنوب والمعاصي، فإن الذنوب عباد الله سبب لزوال النعم والأرزاق، وسبب لحلول النقم، فما حلت نقمة ولا رفعت نعمة إلا بذنب كما قال علي رضي الله عنه وأرضاه: "ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة".

قال تعالى: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا، أي: بسبب خطيئاتهم، وقال جل وعلا: ﴿فكلا أخذنا بذنبه، وقال جل وعلا: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا.

فالواجب علينا ـ عباد الله ـ أن نتوب إلى الله توبة نصوحا، من كل ذنب وخطيئة، وأن نقبل على الله تبارك وتعالى طائعين منيبين، مؤمنين مخبتين، والله تبارك وتعالى يتولى عباده الصالحين، بمنه وكرمه، وجوده وعطائه، وأفضاله وأرزاقه، وهو جل وعلا خير الرازقين.

نسأله الله تبارك وتعالى أن يتولانا أجمعين بتوفيقه، وأن يهدينا إليه صراطا مستقيما، وأن يرزقنا فهو تبارك وتعالى خير الرازقين، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

عباد الله؛ اتقوا الله تعالى.

عباد الله؛ إنَّ من آمن بأن الله هو الرزاق، وأن الأرزاق بيده جل وعلا، وأنه ما من نفس تموت إلا وقد استتمت رزقها، وحصلت ما كتب الله تبارك وتعالى لها، إن من كان بهذا الإيمان، فإنه بعيد أشد البعد عن القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، بل لا يزال دائما وأبدا يرجو اله تبارك وتعالى ويطمع في نواله ويرجو منه ورزقه وكرمه سبحانه.

ولا يزال ـ عباد الله ـ يمد يدي الرجاء إلى الله، والتوجه الصادق إليه سبحانه وهو واثق بالله أنه لا يخيب عبدا دعاه، ولا يرد مؤمنا ناجاه، يسأله أن يزرقه تبارك وتعالى من غير قنوط ولا يأس، بل بأمل واثق ورجاء تام فيما عند الله تبارك وتعالى.

فأحسنوا عباد الله رجاءكم بالله وثقتكم به، وحسن توجهكم إليه، وأملكم فيما عنده، فإنه جل وعلا واسع النوال، عظيم العطاء، جزيل المن جل وعلا، لا يخيب من دعاه، ولا يرد من ناداه، وهو القائل جل وعلا: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان.

وفي هذا المقام ـ عباد الله ـ لا بد من بذل الأسباب والجد والاجتهاد في طلب الأرزاق ووجوه المكاسب المباحة التي أباحها الله تبارك وتعالى لعباده كما قال جل وعلا: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، ومع بذل الأسباب لا بد من طلب الرزق من الله جل وعلا، ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون.

اللهم أصلح أحوالنا أجمعين، اللهم أصلح أحوالنا أجمعين، اللهم أصلح لنا أحوالنا أجمعين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شرّ، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والمحن كلها، والزلازل والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقواتنا وأزواجنا، وذرياتنا واجعلنا مباركين أينما كنا، اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، إليك أواهين منيبين، إليك مخبتين، لك مطيعين، اللهم اهد قلوبنا، وأجب دعوتنا، وتقبل توبتنا، وثبت قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا، اللهم اهدنا إليك صراطا مستقيما، اللهم وفق لما تحب وترضى، اللهم جنبنا كل أمر يسخطك وتأباه يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اغفر لنا ذنبنا كله، دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا رزاق يا منان، يا واسع الجود والعطاء والإحسان، اللهم إنا نتوجه إليك باسمك الرزاق وبأسمائك الحسنى كلها وصفاتك العليا؛ أن ترزقنا وأنت خير الرازقين، اللهم ابسط علينا من أبواب جودك ومنك وكرمك وعطائك من حيث لا نحتسب، اللهم ارزقنا، اللهم ارزقنا، اللهم ارزقنا.

اللهم إنا نسألك غيثا مغيثا، هنيئا مريئا، سحا طبقا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، وديارنا بالمطر، اللهم يا رزاق نسألك سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا عذاب ولا غرق، اللهم يا رزاق أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم إنا نسألك الغيث فلا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا نسألك الغيث فلا تجعلنا من اليائسين، اللهم يا رزاق نسألك يا واسع المن أن تنزل علينا من بركات السماء، وأن تخرج لنا من بركات الأرض، وأن ترضى عنا يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم وارض عن أصحاب نبيِّك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.   

 

 

Publié dans خطب العقيدة

Commenter cet article