50 دروس وعبر الحج دروس

Publié le par Abou Abdillah

خطبة صلاة الجمعة ليوم 14/12/1421هـ بعنوان:

دروس وعبر الحج دروس

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ,ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ,وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ,وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين, وسلم تسليما كثيرا ,أما بعد:

أيها المؤمنون عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى , ومراقبته في السر والعلانية فإن تقوى الله جلّ وعلا هي سبيل الفلاح وسبب الفوز والغنيمة في الدنيا والآخرة .

ثم اعلموا معاشر المؤمنين أن الحج شعيرة عظيمة من شعائر هذا الدين ,بل هي ركن عظيم من أركان الإسلام ,فيه من الفوائد العظام والمنافع الغزار ما لا يمكن الإحاطة به أو إحصاءه ,ولقد أكرم الله جلّ وعلا من أكرم من عباده المؤمنين بأداء هذه الطاعة العظيمة ,والقيام بهذه العبادة الجليلة في هذه الأيام القليلة الماضية ,فنسأل الله جلّ وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يتقبل من حجاج بيت الله حجهم ,وأن يغفر ذنبهم ,وأن يعين الجميع على طاعة الله تبارك وتعالى على الوجه الذي يحبه ويرضاه ,عباد الله ينبغي علينا جميعا أن نعلم أن الحج مدرسة عظيمة يتربى فيها المؤمنون ,ويتلقى فيها المتقون الدروس العظيمة والعبر البليغة ,والحجج المؤثرة مما يكون سببا لزيادة الإيمان ,وقوة اليقين وعظم الارتباط بهذا الدين, ودروس الحج عباد الله لا يمكن إحصاؤها ,ولا يتيسر  استقصاؤها ,ففي الحج عباد الله تحقيق للعبودية وتكميل لها ,وذلك لما فيه من تذلل لله وخضوع ,وانكسار بين يديه ,فالحاج عباد الله يخرج من ملاذ الدنيا مهاجرا إلى ربه, تاركا ماله وأهله ووطنه ,متجردا من ثيابه لابسا إحرامه ,حاسرا عن رأسه ,متواضعا لربه تاركا الطيب والنساء ,متنقلا بين المشاعر بقلب خاشع ,وعين دامعة , ولسان ذاكر, يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه ,وشعاره في ذلك كله لبيك اللهم لبيك ,ومعنى ذلك إني خاضع لك يا الله ,منقاد لأمرك مستعد لما حملتني من الأمانة ,طاعة لك واستسلاما لك دونما إيباء أو تردد ,وفي الحج عباد الله إقامة لذكر الله ,فالذكر هو المقصود الأعظم للعبادات كلها , فما شرعت العبادات إلا لأجله ,وما تقرب المتقربون إلى الله بمثله ,والحج كله ذكر لله قال الله تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات الحج: ٢٨, وقال تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشهر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين البقرة: ١٩٨,وما شرع الطواف بالبيت ولا السعي بين الصفا والمروة ,ولا رمي الجمار ولا غير ذلك من أعمال الحج إلا لإقامة ذكر الله, وفي هذا عباد الله بيان لعلو شأن الذكر ورفعة منزلته ,وجلالة قدره وأنه مقصود العبادات ولبها .

والحج عباد الله باب رحب للتوبة إلى الله والإنابة إليه ,وحط الأوزار ورفع الدرجات , وإقالة العثرات والعتق من النار ,روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه عند إسلامه:" أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله , وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها , وأن الحج يهدم ما كان قبله".

وفي الحج عباد الله تهييج  لذكريات جميلة عزيزة على قلب كل مسلم , تتردد على الذهن ,وتتوارد على الخاطر أثناء الحج وفترة التنقل بين تلك المشاعر العظيمة , فالحاج على سبيل المثال يتذكر في حجه أبانا إبراهيم الخليل عليه السلام ,فيتذكر توحيده لربه ومهاجره في سبيله ,وكمال عبوديته له ,وتقديمه محاب ربه على محاب نفسه ,ويتذكر ما جرى له عليه السلام من الابتلاءات العظيمة ,وما حصل له من الكرامات والمقامات العالية الرفيعة ,ويتذكر أذانه عليه السلام في الحج ,ودعاءه لمكة المكرمة: ﴿رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله مِنَ الثمرات مَن آمن منهم بالله واليوم الآخر البقرة: ١٢٦,ويتذكر بركات تلك الدعوات التي تُرى آثارُها إلى يومنا الحاضر .

ويتذكر الحاج ما كان من أمر أمنا هاجر, يتذكر ما كان من سعيها بين الصفا والمروة بحثا عن ماء لتشربه ,لتدر لبنا على وليدها إسماعيل ,ذلك السعي الذي أصبح سنة ماضية وركنا من أركان الحج.

ويتذكر الحاج أبانا إسماعيل عليه السلام ,فيمر بخاطره مشاركة إسماعيل لأبيه إبراهيم في بناء الكعبة: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم البقرة: ١٢٧.

ويتذكر الحاج ما كان من برّ إسماعيل بأبيه حيث أطاعه حين أخبره أن الله يأمره بذبحه ,فما كان من إسماعيل إلا أن استجاب للنداء ,وامتثل الأمر وانقاد طائعا, وذلك من كمال بره وطاعته: ﴿فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين الصافات: ١٠٢ –١١٠.

ويتذكر الحاج أن مكة هي موطن النبي صلى الله عليه وسلم ,ففيها ولد وشب, وفيها تنزل عليه الوحي ,وفيها شع نور الإسلام الذي بدد دياجير الظلمات.

ويتذكر من سار على تلك البطاح المباركة من أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين ,فيشعر بذلك وأنه امتداد لتلك السلسلة المباركة , وذلك الركب الميمون.

ويتذكر الصحابة رضي الله عنهم حماة هذا الدين وأنصاره ,وما لاقوه من البلاء في سبيل نشره, ويتذكر أن هذا البيت ـ أعني الكعبة ـ هو أول بيت وضع للناس ,وأنه مبارك وهدى للعالمين ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم آل عمران: ٩٧,ومن خلال هذه الذكريات الجليلة العظيمة ,يرتبط المؤمن بأكرم ارتباط, وتنبعث نفسه إلى حب أسلافه الكرام ,والحرص على اتباع آثارهم ,والسير على نهجهم ومنوالهم ,وبذلك عباد الله يربح الحاج في حجه أرباحا عظيمة , ويعود منه بأكبر كسب و أفضل غنيمة .

فالحج عباد الله مدرسة تربوية إيمانية عظيمة , يتخرج فيها المؤمنون المتقون بعد أن شهدوا في حجهم المنافع العظيمة ,والدروس المتنوعة والعظات المؤثرة, فتحيى بذلك القلوب , ويتقوى الإيمان ويزداد اليقين ,يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وأذِّن في الناس بالحجِّ يأتوك رجالا وعلى كلِّ ضامر يأتين من كلِّ فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم الحج: ٢٧ –28 ,اللهم انفعنا بهدي كتابك ,ووفقنا لإتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم ,وتقبل يا ذا الجلال والإكرام من حجاج بيتك حجهم ,اللهم وأعمر قلوبنا جميعا بطاعتك ,وأوقاتنا بذكرك وشكرك وحسن عبادتك ,اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ,إنك أنت الغفور الرحيم.

الحمد لله عظيم الإحسان ,واسع الفضل والجود والامتنان ,وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ,وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ,وسلم تسليما كثيرا ,أما بعد:

يا أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى ,فإن تقوى الله هي خير زاد يبلغ إلى رضوان الله ,ثم اعلموا رحمكم الله أن مما يذكر به الحج ,ولاسيما يوم اجتماع الحجاج على صعيد عرفة البعث والحساب ,ووقوف الناس يوم الحشر في صعيد واحد بين يدي ربهم عزّ وجل, ينظرون حسابهم ويتحرون مصيرهم إلى سعادة أو إلى شقاء ,إلى الجنة أو إلى النار, فإذا رأى الحاج ازدحام الناس يوم عرفة , ورأى بعضهم يموج في بعض وهم في صعيد واحد وبلباس واحد ,وقد حسروا عن رؤوسهم وتجردوا من ثيابهم ,ولبسوا الأردية والأزر, وتجردوا من ملذات الدنيا ومتاعها ,تذكر اليوم العظيم يوم يعود الناس لرب العالمين ,يوم يحشرون بين يديه سبحانه, حافية أقدامهم عارية أجسامهم ,شاخصة أبصارهم ينتظرون ماذا يفعل بهم ,فيبعثه ذلك للاستعداد ليوم الآخرة ,والتزود ليوم المعاد ,ويقوده ذلك إلى استصغار متاع الحياة الدنيا ,ويرفعه عن الاستغراق فيها ,وقد قال الله تعالى في أثناء آيات الحج: ﴿وتَزوَّدوا فإنَّ خير الزاد التَّقوى واتَّقونِ يا أولي الألباب البقرة: ١٩٧ فالكيس عباد الله من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ,والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ,واعلموا رحمكم الله أن أصدق الكلام كلام الله ,وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ,وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة ,وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار,وعليكم عباد الله بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ,ومن شذ شذ في النار, وصلوا وسلموا رحمكم الله على أفضل من حج لبيت الله الحرام ,وعلى سيد الأنام  محمد ابن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ,فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إنَّ الله وملائكتَه يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليما الأحزاب: ٥٦ ,وقال صلى الله عليه وسلم :"من صلى علي  واحدة صلى الله عليه بها عشرا", اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ,وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد , وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ,وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ,وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين, اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين, اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين ,ودمر أعداء الدين واحم حوزة الدين يا رب العالمين, اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ,واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين ,اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى ,وأعنه على البر والتقوى, وسدده في أقواله وأعماله يا ذا الجلال والإكرام ,اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك وإتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ,واجعلهم رحمة ورأفة على عبادك المؤمنين ,اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك المؤمنين ,اللهم انصر من نصر الدين ,واخذل من خذل الدين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ,اللهم إنا نسألك الهدى والسداد ,اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى , اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ,وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ,وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ,واجعل  الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر ,ربنا آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها, ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ,اللهم اغفر لنا ذنبنا كله دقه وجله أوله وآخره سره وعلنه ,اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا ,وما أعلنا وما أنت أعلم به منا أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت ,اللهم لك أسلمنا وبك آمنا ,وعليك توكلنا وإليك أنبنا وبك خاصمنا ,نعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلنا ,فأنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون .

اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا ,اللهم اسقنا و أغثنا ,اللهم اسقنا وأغثنا ,اللهم اسقنا وأغثنا ,اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا سحا طبقا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل ,اللهم أغث قلوبنا بالإيمان وديارنا بالمطر ,يا خير مسؤول يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ,وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

Publié dans خطب العبادة

Commenter cet article